محمد كرد علي

131

خطط الشام

الحاجة والحسبة أمس واليوم : ولقد حدثنا التاريخ أن الناس كانوا يتولون الحسبة بأنفسهم عندما تضعف الحكومات لأن مصلحة أهل كل بلد لا تتم إلا بدفع الأذى بعضهم عن بعض والتواصي بالحق ، والجاهل في ذمة العالم ، والضعيف من حصة القوي . وأهل البلد الواحد متكافلون معنى وضمنا إذا لم يتكافلوا هلكوا ، ولا تتم للفرد فيه سعادة لا تتناول المجموع . وكان قانون الاحتساب يسد حاجات المجتمعات في هذه الديار . نعم إن تلك الأوضاع قد بلغت عند غيرنا في هذا العصر مبلغا عاليا من الرقي بفضل قاعدة توزيع الأعمال ، وكثرة الاختصاصيين في كل فرع من الفروع ، ولكن ديوان الحسبة وحده كان يقوم بأكثر هذه المقومات في المدن الفاضلة ، فكانت الحسبة آخذة برقاب المنافع ، داقة أعناق المضار . ومن الغريب أن عصرنا على رقيه لم يصل في هذا القطر إلى بعض ما كان يتمتع به أهلها في القرون الغابرة ، وأغرب من هذا كيف اهتدوا إلى أشياء فأصلحوها لتوفير راحتهم ورفاهيتهم ، وما بلغوا ما بلغوه من تراتيبهم بدون التوسع في القوانين الفضفاضة شاهدة على تمدنهم ، وأنهم أهل عمليات أكثر مما هم أرباب نظريات ، فسبحان الملهم العظيم . تأسيس البلديات « * » : يبدأ عهد الإصلاح في الدولة العثمانية من تاريخ إعلان المنشور السلطاني الصادر في غرة جمادى الآخرة سنة ( 1272 ) وفيه القواعد الأساسية التي بني عليها ذلك الإصلاح في الشؤون المختلفة ، وفي جملة المعاهد التي أنشئت ، المجالس البلدية التي أحدثت عقب صدور المرسوم المذكور ووضع لها نظام خاص جرى فيه تعديل بحسب الأحوال . فإن النظام المؤرخ بيوم 23 ربيع الأول سنة ( 1284 ) الذي يحوي في مطاويه أصول تأليف المجالس البلدية في مراكز الولايات والألوية والأقضية ، قد جرى تعديله فيما بعد كما هو مصرح بذلك في الفصل السابع من قانون إدارة الولايات العمومية ( 29 شوال سنة 1287 و 9 كانون الثاني سنة 1286 )

--> ( * ) كتب فصل البلديات السيد أمين الحشيمي .